يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} فَأَعْرِضْ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ، الَّذِينَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَ يَدْعُو دَاعِي اللَّهِ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الشَّيْءُ النُّكُرُ.
{خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ}
يَقُولُ: ذَلِيلَةٌ أَبْصَارُهُمْ خَاشِعَةٌ، لَا ضَرَرَ بِهَا {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} وَهِيَ جَمْعُ جَدَثٍ، وَهِيَ الْقُبُورُ، وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْخُشُوعِ الْأَبْصَارَ دُونَ سَائِرِ أَجْسَامِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ أَجْسَامِهِمْ، لِأَنَّ أَثَرَ ذِلَّةِ كُلِّ ذَلِيلٍ، وَعِزَّةِ كُلِّ عَزِيزٍ، تَتَبَيَّنُ فِي نَاظِرَيْهِ دُونَ سَائِرِ جَسَدِهِ، فَلِذَلِكَ خَصَّ الْأَبْصَارَ بِوَصْفِهَا بِالْخُشُوعِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: (خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ) فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ الْكُوفِيِّينَ {خُشَّعًا} بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ، بِمَعْنَى خَاشِعٍ؛ وَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ (خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ) بِالْأَلِفِ عَلَى التَّوْحِيدِ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ» ، وَأَلْحَقُوهُ وَهُوَ بِلَفْظِ الِاسْمِ فِي التَّوْحِيدِ، إِذْ كَانَ صِفَةً
بِحُكْمِ فَعَلَ وَيَفْعَلُ فِي التَّوْحِيدِ إِذَا تَقَدَّمَ الْأَسْمَاءُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ ... مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ
فَوَحَّدَ حَسَنًا وَهُوَ صِفَةٌ لِلْأَوْجُهِ، وَهِيَ جَمْعٌ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
يَرْمِي الْفِجَاجَ بِهَا الرُّكْبَانَ مُعْتَرِضًا ... أَعْنَاقَ بُزَّلِهَا مُرْخَى لَهَا الْجُدُلُ
فَوَحَّدَ مُعْتَرِضًا، وَهِيَ مِنْ صِفَةِ الْأَعْنَاقِ، وَالْجَمْعُ وَالتَّأْنِيثُ فِيهِ جَائِزَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَقَوْلُهُ: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ فِي انْتِشَارِهِمْ وَسَعْيِهِمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ.
وَقَوْلُهُ: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ}
يَقُولُ: مُسْرِعَيْنِ بِنَظَرِهِمْ قِبَلَ دَاعِيهِمْ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِهْطَاعِ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنِ الْإِعَادَةِ.