وهذه الرؤية كانت بعد مجيئه بحراء أول ما بدتّ، لما فتر الوحي على ما رواه الثقاة، أنه لما
اشتد به الكَرْب من تكذيب قريش حتى قالوا: هجره شيطانه. قال:"فأردت أن ألْقيَ نفسي"
من شاهق فلما خرجت فإذا هو جالس عَلَى كُرْسِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ، وقالَ: لا تفعَل
فإنّكَ رسولُ اللَّه حقًّا فَرُعِبْتُ مِنْه فَرَجعْت إلى أهلي فقلت دَثرُونِي. فنزلت: (يَا أَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) . فهذا معنى الدنو والتدلي، والقرب. لا أنه تمثيل للعروج به.
(فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(10)
الموحى هو جبرائيل، وضمير (عَبْدِهِ) للَّه، ولا لبْس فيه.
والقول بأن الضمائر للَّه. فالدنو والتدلي على التأويل، خلاف الظاهر بعيد عن
المساق. (مَا أَوْحَى) لم يأت بالضمير؛ تفخيماً لشأن المُنزل، وأنه مما يجل عن الوصف، أنى
يتوهم التباسه بالشعر والكهانة؟ وكما فخِّم شأن المنزل، كذلك شأن للنزل إليه بإيثار
لفظ"العبد"المضاف إليه تعالى؛ إشارة إلى أنه العبد الحقيقي، الكامل، الذي لا يذهب الوهم
منه، وإيماء إلى أنه حقيق بالحظوة والاصطفاء.
(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11)
أي: ما رآه من صورة جبرائيل، أي: لم يكن قلبه
منكراً له إذا رآه مرة أسحرى في غير صورته. وقيل: ما رآه من جلال اللَّه تعالى لما روى
مسلم عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما:"أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - رَأي ربَّه بِفُؤاَدِهِ مَرَّتَيْنِ"
والحق أن ذلك ليس تفسيراً للآية وإن صح
(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى(12)
تجادلونه، من المراء. أصله المرْي. يقال: مرَيْت
الناقة، إذا جذبت ضِرْعَها لتَدرَّ. وقرأ حمزة والكسائي (أَفَتَمْرُونَهُ) على المغالبة من
ماريته فمَرَيته.
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى(13)
فَعْلَة من النزول أي: مرة أخرى؛ ولذلك
نصبت على الظرف.
(عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى(14)
ليلة الإسراء، وهي شجرة النبق، كل نَبِقَة كقُلَّة
من قِلال هجر، وأوراقها كآذان الفِيَلة، وقد غشيها من الأنوار ما لا يقدر على نعتها إلا