قال القاضي: وقوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى} فمن جعل الضمير عائداً إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبارةً عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفِّي ، وإنافة المنزلة والقرب من الله ؛ ويتأوّل فيه ما يتأوّل في قوله عليه السلام:"من تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً"قربٌ بالإجابة والقبول ، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول.
وقد قيل:"ثُمَّ دَنَا"جبريل من ربه {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى} قاله مجاهد.
ويدلّ عليه ما روي في الحديث:"إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام"وقيل:"أو"بمعنى الواو أي قاب قوسين وأدنى.
وقيل: بمعنى بل أي بل أدنى.
وقال سعيد بن المسيّب: القاب صدر القوس العربية حيث يشدّ عليه السير الذي يتنكّبه صاحبه ، ولكل قوس قاب واحد.
فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى الله عليه وسلم كقرب قاب قوسين.
وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهَمْداني وأبو وائل شقيق بن سلمة: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} أي قدر ذراعين ، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء ، وهي لغة بعض الحجازيين.
وقيل: هي لغة أزد شَنُوءة أيضاً.
وقال الكسائي: قوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى} أراد قوساً واحداً ؛ كقول الشاعر:
ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْن مَرْتَيْنِ ...
قَطَعْتُهُ بالسَّمْتِ لا بالسَّمْتَيْنِ
أراد مهمهاً واحداً.
والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ومن ذكر قال قويس ؛ وفي المثل هو من خيرِ قُوَيْسٍ سَهْماً ، والجمع قِسِيّ وقُسِيّ وأقواس وقِياس ؛ وأنشد أبو عبيدة:
ووَتَّرَ الأساورُ القِياسَا ...
والقَوْس أيضاً بقية التّمْر في الجُلَّة أي الوعاء ، والقَوْس برج في السماء.