بدأت الآية بأمر تهديد ووعيد وتوبيخ: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} أي: فاعبدوا ما شئتم أن تعبدوه من دون الله، وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى كأَنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به كى يحل بهم العقاب.
ولكونه أمر تهديد عقبه بقوله: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ} :
أي: قل لهم أيها الرسول: إن الخاسرين الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه الذي هو عبارة عن إضاعة ما يهمهم، وإتلاف ما لا بد منه هم الذين خسروا أنفسهم وأَهليهم باختيارم الكفر لهما فأضاعوهما وأتلفوهما يوم القيامة حين يدخلون النار، حيث عرضوهما للعذاب السرمدي، وأوقعوهما في هلكة ما بعدها هلكة، والمراد بالأهل الأَتباع الذين أضلوهم وقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وقيل المراد بالأهل: من أعده الله - تعالى - لمن
يدخل الجنة من الحور العين أي: خسروا أهليهم الذين يكونون لهم في الجنة لو آمنوا فبعدم إيمانهم ذهبوا عنهم ذهابًا لا إياب بعده.
أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد: عن قتادة قال: ليس أحد إلا قد أَعد الله - تعالى.
له أهلا في الجنة إن أطاعه.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس أنه قال في الآية: خسروا أهليهم من أهل الجنة وكانوا قد أُعدوا لهم لو عملوا بطاعة الله.
{أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} : جملة مستأنفة. وتصديرها بحرف التنبيه والإشارة تنبيه إلى بعد منزلة المشار إليه في التفسير، وأنه لعظمه بمنزلة المحسوس، وفي توسيط ضمير الفصل وتعريف الخسران ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه ما لا يخفى، حيث استبدلوا بالجنة نارا وبالدرجات دركات.
16 - {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} :