أي: وأمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له لأجل أن أكون مقدم المسلمين في الدنيا والآخرة. وكذلك كان - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان أول من خالف دين آبائه، وخلع الأصنام وحطمها وأسلم لله وآمن به، ودعا إلى عبادته، وكأن له إحراز السبق في الدين بالإخلاص فيه، وإخلاصه - عليه الصلاة والسلام - أتم من إخلاص كل مخلص، فلم تكن له صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون.
13 - {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} :
أي: قل يا محمد لمن دعاك بالرجوع إلى دين آبائك، وذلك أن كفار قريش قالوا له - عليه الصلاة والسلام: ألا تنظر إلى أبيك وجدك، وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فنزلت
ردا عليهم. أي: قل إني أخاف ترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك، أو الميل إلى أي شيءٍ من المعاصي؛ لأني أخاف (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وهو يوم القيامة، ووصفه بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأَهوال. والمقصود تهديدهم والتعريض لهم بأَنه - عليه الصلاة والسلام - مع عظمته لو عصى الله - تعالى - ما أمن العذاب فكيف بهم.
14 - {قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} :
أي قل لهم: أعبد الله لا غيره - سبحانه - لا استقلالا ولا اشتراكا، مخلصًا له دينى عن الشرك الظاهر والخفى، أو مخلصا له دينى بعبادته - سبحانه - لذاته من غير طلب شيء منه - تعالى - كقول رابعة: سبحانك ما عبدتك خوفًا من عقابك ولا رجاء ثوابك.
أُمر - عليه الصلاة والسلام - أولًا ببيان كونه مأْمورا بعبادة الله - تعالى - بإخلاص الدين له، ثم الإِخبار بخوفه من العذاب على تقدير عصيانه. ثم الإِخبار بامتثاله الأَمر على أبلغ وجه وآكده إظهارا لتصلبه - صلى الله عليه وسلم - في الدين، وحسما لأَطماعهم الفارغة في الرجوع إلى دينهم، وتمهيدا لتهديدهم بقوله - عَزَّ وَجَلَّ:
15 - {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} :