وهذا هو الطريق إلى العلم الحقيقي والمعرفة المستنيرة .. هذا هو .. القنوت لله. وحساسية القلب، واستشعار الحذر من الآخرة، والتطلع إلى رحمة الله وفضله؛ ومراقبة الله هذه المراقبة الواجفة الخاشعة .. هذا هو الطريق، ومن ثم يدرك اللب ويعرف، وينتفع بما يرى وما يسمع وما يجرب؛ وينتهي إلى الحقائق الكبرى الثابتة من وراء المشاهدات والتجارب الصغيرة. فأما الذين يقفون عند حدود التجارب المفردة، والمشاهدات الظاهرة، فهم جامعو معلومات وليسوا بالعلماء ..
{إنما يتذكر أولو الألباب} ..
وإنما يعرف أصحاب القلوب الواعية المتفتحة المدركة لما وراء الظواهر من حقائق. المنتفعة بما ترى وتعلم، التي تذكر الله في كل شيء تراه وتلمسه ولا تنساه، ولا تنسى يوم لقاه ..
وبعد عرض هاتين الصورتين يتجه إلى الذين آمنوا يناديهم ليتقوا ويحسنوا؛ ويتخذوا من حياتهم القصيرة على هذه الأرض وسيلة للكسب الطويل في الحياة الآخرة:
{قل: يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم. اللذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة. وأرض الله واسعة. إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ..
وفي التعبير: {قل: يا عباد الذين آمنوا} التفاتة خاصة. فهو في الأصل: قل لعبادي الذين آمنوا .. قل لهم: اتقوا ربكم. ولكنه جعله يناديهم، لأن في النداء إعلاناً وتنبيهاً. والرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول لهم: {يا عبادي} فهم عباد الله. فهناك هذه الالتفاتة في أثناء تكليفه بتبليغهم أن يناديهم باسم الله. فالنداء في حقيقته من الله. وما محمد صلى الله عليه وسلم إلا مبلغ عنه للنداء.
{قل: يا عباد الذين آمنوا. اتقوا ربكم} .
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11)