فلما رآهم {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } [الصافات] الاستفهام هنا للتعجب وللاستنكار ، يقول لهم: كيف تعبدون إلها من صنع أيديكم تنحتونه من الصخور ، فأنتم أعلم الناس به ، وترونه يقع ، فتقيمونه في مكانه ، وينكسر فتصلحونه ، ويجرفه السير ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يعبد مثل هذا الآله ، وكيف تنصرفون إلى عبادته ،
وتتركون عادة الله الإله الحق الذي خلقكم ، وخلق ما تعلمون ؟
وطبعا ليس لديهم جواب لهذا السؤال ، وليس لديهم رد على إبراهيم إلا رد القوة والبطش ، فلا حجة لديهم ، ولا منطق يدافعون به عن آلهتهم:
{قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) }
تعلمون قصة النار التي أوقدوها ، ثم ألقوا بنبي الله إبراهيم في وسطها ، هذا هو الكيد الذي أرادوه بإبراهيم ، وما كان الله تعالى ليبعث نبيا ثم يسلمه ، فرد الله كيدهم عليهم {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) } [الطارق]
ومعنى {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) } [الصافات] أي: في هذا المقام. وفي هذا الموقف الذي فعلوه بإبراهيم ، فليسو الأسفلين لأنهم كفار ، إنما (أسفلين) لأنهم تعالوا على إبرهيم وتمكنوا منه ، وقدروا على إلقائه في النار فعلا وهي مشتعلة ، وظنوا ساعتها أنهم هم العالون.
لكن سرعان ما تكشفت حقيقة الموقف ، وظهرت الآية الكبرى التي أرادها الله تعالى ؛ فلو أراد الله لنجا إبراهيم ، فلم يتمكنوا من الإمساك به ، ولو أراد سبحانه لأمطرت السماء على النار فأطفأتها ، لكن أراد الله أن يبطل حججهم ، فلو هرب إبراهيم من أيديهم لقالوا: لو لم يهرب لأحرقناه ، ولو أمطرت السماء لقالوا: ظاهرة طبيعية لا دخل لنا بها.