قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) } [الصافات] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت ، والنظرة هنا ليست هي النظرة الخاطفة العابرة ، إنما نظرة التأمل الفاحصة المتأنية ، فهي يمعنى رأى بتمعن واستنباط ، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمل وتأن. والنجوم مفردها نجم ، وهو كل مضيء في السماء إضاءة ذاتية ، لا أن يعكس ضوء الشمس ، وعليه فالشمس نجم من النجوم.
فقوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) } [الصافات] دل على أنها نظرة طويلة متأملة مستوعبة ، لأنها استوعبت كوكبا وقمرا وشمسا. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر ، فقال سبحانه:
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } [الأنعام]
إذن: كانت نظرة إبراهيم طويلة متأنية ؛ لأنها استغرقت طيلة مطلع الكوكب وغيابه ، ثم مطلع القمر وغيابه ، ثم مطلع الشمس وغيابها ، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائي لا تصلح لأن تكون آلهة تعبد ، قال: {إِنِّي سَقِيمٌ (89) } [الصافات] البعض يعدها كذبة من كذبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.