وقوله: {دُونَ الله} أي خلاف الله وغيره ، وهذا صالح لاعتبار قومه عبدة أوثان غير معترفين بإله غير أصنامهم ، ولاعتبارهم مشركين مع الله آلهة أخرى مثل المشركين من العرب لأن العرب بقيت فيهم أثارة من الحنيفية فلم ينسوا وصف الله بالإلهية وكان قوم إبراهيم وهم الكلدان يعبدون الكواكب نظير ما كان عَليه اليونان والقبط.
وفرع على استفهام الإِنكار استفهام آخر وهو قوله: {فما ظنكم برب العالمين} وهو استفهام أريد به الإِنكار والتوقيف على الخطأ ، وأريد بالظن الاعتقاد الخطأ.
وسمي ظناً لأنه غير مطابق للواقع ولم يسمه علماً لأن العلم لا يطلق إلا على الاعتقاد المطابق للواقع ولذلك عرفوه بأنه:"صفة توجِب تمييزاً لا يحتمل النقيض"ولا ينتفي احتمال النقيض إلا متى كان موافقاً للواقع.
وكثر إطلاق الظن على التصديق المخطئ والجهل المركب كما في قوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} في سورة [الأنعام: 116] .
وقوله: {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} [يونس: 36] .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"
والمعنى: أن اعتقادكم في جانب رب العالمين جهل منكَر.
وفعل الظن إذا عدّي بالباء أشعر غالباً بظن صادق قال تعالى: {وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10] وقال: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} [فصلت: 23] .
ومنه إطلاق الظنين على المتهم فإن أصله: ظنين بِه ، فحذفت الباء ووصل الوصف ، وذلك أنه إذا عدي بالباء فالأكثر حذف مفعوله وكانت الباء للإِلصاق المجازي ، أي ظن ظناً ملصقاً بالله ، أي مدّعى تعلقه بالله وإنما يناسب ذلك ما ليس لائقاً بالله.
وتقدمت الإِشارة إليه عند قوله تعالى: {وتظنون بالله الظنونا} في سورة [الأحزاب: 10] .
والمعنى: فما ظنكم السيّئ بالله ، ولما كان الظن من أفعال القلب فتعديته إلى اسم الذات دون إتباع الاسم بوصف متعينة لتقدير وصف مناسب.