{إذْ قالَ لأبيهِ وقومهِ ماذا تعبدون} في سورة [الشعراء: 70] فإنه استفهام على معبوداتهم ولذلك أجابوا عنه {قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} [الشعراء: 71] وإنما أراد بالاستفهام هنالك التمهيد إلى المحاجّة فصوره في صورة الاستفهام لسماع جوابهم فينتقلَ إلى إبطاله ، كما هو ظاهر من ترتيب حجاجه هنالك ، فذلك حكاية لقول إبراهيم في ابتداء دعوته قومه ، وأما ما هنا فحكاية لبعض أقواله في إعادة الدعوة وتأكيدها.
وجملة {أئِفكاً ءَالهة دون الله تريدون} بيان لجملة {ماذا تعبدون} بين به مصبّ الإِنكار في قوله: {ماذا تعبدون} وإيضاحَه ، أي كيف تريدون آلهة إفكاً.
وإرادة الشيء: ابتغاؤه والعزم على حصوله ، وحَقّ فعلها أن يتعدى إلى المعاني قال ابن الدمينة:
تريدين قَتلي قد ظَفِرتتِ بذلك...
فإذا عدي إلى الذوات كان على معنى يتعلق بتلك الذوات كقول عمرو بن شاس الأسدي:
أرادتْ عِراراً بالهوان ومن يُرِد...
عِراراً لعمري بالهوان فقد ظَلَم
فلذلك كانت تعدية فعل {تُريدونَ} إلى {ءَالهة} على معنى: تريدونها بالعبادة أو بالتأليه ، فكان معنى {ءَالهة} دليلاً على جانب إرادتها.
فانتصب {ءَالهةً} على المفعول به وقدم المفعول على الفعل للاهتمام به ولأن فيه دليلاً على جهة تجاوز معنى الفعل للمفعول.
وانتصب {إفكاً} على الحال من ضمير {تُريدونَ} أي آفكين.
والإِفك: الكذب.
ويجوز أن يكون حالاً من آلهة ، أي آلهة مكذوبة ، أي مكذوب تأليهها.
والوصف بالمصدر صالح لاعتبار معنى الفاعل أو معنى المفعول.
وقدمت الحال على صاحبها للاهتمام بالتعجيل بالتعبير عن كذبهم وضلالهم.