فأما قوله تعالى في سورة النحل (4) {: خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين} فهو تعريف الاستغراق ، أي خلق كلَّ إنسان لأن المقام مقام الاستغراق الحقيقي.
والمراد بخَصِيمٌ في تلك الآية: أنه شديد الشكيمة بعد أن كان أصله نطفة ، فالجملة معطوفة على جملة {أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم} [يس: 71] الآية.
والاستفهام كالاستفهام في الجملة المعطوففِ عليها.
والرؤية هنا قلبية.
وجملة {أَنَّا خَلَقْناهُ} سادّة مسدّ المفعولين كما تقدم في قوله تعالى: {أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم مما عَمِلت أيدينا أنْعاماً} [يس: 71] .
و"إذا"للمفاجأة.
ووجه المفاجأة أن ذلك الإِنسان خلق ليعبد الله ويعلم ما يليق به فإذا لم يجر على ذلك فكأنه فاجأ بما لم يكن مترقباً منه مع إفادة أن الخصومة في شؤون الإِلهية كانت بما بادرَ به حين عقَل.
والخصيم فعيل مبالغة في معنى مفاعل ، أي مخاصم شديد الخصام.
والمبين: من أبان بمعنى بان ، أي ظاهر في ذلك.
وضرب المثل: إيجاده ، كما يقال: ضَرب خيمة ، وضَرب ديناراً ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى:
{إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما} في سورة البقرة (26) .
والمَثل: تمثيل الحالة ، فالمعنى: وأظهر للناس وأتى لهم بتشبيه حال قدرتنا بحال عجز الناس إذ أحال إحياءنا العظام بعد أن أرَمَّت فهو كقوله تعالى: {فلا تضربوا للَّه الأمثال} [النحل: 74] ، أي لا تُشَبِّهوه بخلقه فتجعلوا له شركاء لوقوعه بعد {ويعبدون من دون اللَّه ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئا} [النحل: 73] .
والاستفهام في قوله: {من يحي العظام} إنكاري.
و {من} عامة في كل من يسند إليه الخبر.
فالمعنى: لا أحد يحيي العظام وهي رميم.
فشمل عمومه إنكارهم أن يكون الله تعالى محيياً للعظام وهي رميم ، أي في حال كونها رميماً.