ثم قال: وهذه الثلاثة - من النظْم والأسلوب والجزالة - لازمة كل سورة، بل هي لازمة كل آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميَّز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقَع التحدي والتعجيز، ومع هذا فكل سورة تَنفرد بهذه الثلاثة، فهذه سورة الكوثر:"إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ" [الكوثر: 1 - 3] ، ثلاث آيات قِصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمَّنت الإخبار عن مُغيَّبين:
أحدهما: الإخبار عن الكوثر، وعظمته وسَعته، وكثرة أَوانيه، وذلك يدل على أن المُصدقين به أكثر من أتْباع سائر الرسل.
والثاني: الإخبار عن الوليد بن المُغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مالٍ وولدٍ على ما يقتضيه قول الحق:"ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا" [المدثر: 11 - 14] .
ثم أهلَك الله ماله وولده، وانقطع نَسْله، ورَد هذا في سورة الكوثر؛ حيث يقول الله تعالى:"إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ" [الكوثر: 1 - 3] ؛ حيث وعَد الله تعالى نبيَّه بالكوثر، وتوعَّد مَن آذاه - وهو الوليد بن المغيرة - بالبتْر والعذاب [3] .
5 -ومن إعجازه اللغوي كذلك: التصرُّف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم جميعًا على إصابته في وضْع كلِّ كلمة وحرف موضعَه.
6 -ومن إعجازه اللغوي كذلك: التناسُب في جميع ما تضمَّنه ظاهرًا وباطنًا من غير اختلافٍ؛ قال الله تعالى:"وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا" [النساء: 82] .
وإليك هذه النماذجَ من الأمثلة التي هي غَيض من فيض، وقليل من كثير، بل بعضٌ من كل؛ لنتلمَّس من خلالها هذا الإعجاز الذي كان محلَّ التحدي والتعجيز لأبلغ من تكلَّم بالعربية حتى وقتنا هذا، بل حتى قيام الساعة: