نهي الْقَوْل كناية للمُبَالَغَة مثل قولهم: لا أرينك هنا. وتوجه النهي إلَى السبب للمُبَالَغَة في
توجه النهي إلَى المسبب لأنه كإيراد شيء ببينة.
قوله: (فنجازيهم عليه وكفى ذلك أن تتسلى به) فنجازيهم أي العلم بهما كناية
عن الْجَزَاء لما مَرَّ. والتعرض بعلم ما يعلنون مع أنه فهم من العلم بالسر للتنبيه عَلَى أن
علمه تَعَالَى بالسر كعلمه بالجهر فإنه لا سر بالنسبة إليه تَعَالَى، وإنما هُوَ بالنسبة إلَى
المخلوق، والْمُرَاد بالعلم علمه بهما بأنه قد وقع الآن أو قبله فإن الْجَزَاء إنما يترتب
عليه لا لعلم بأنه سيقع.
قوله: (وهو تعليل للنهى عَلَى الاسْتئْنَاف) أي تعليل لتعليل النهي؛ إذ الفاء كما عرفته
يفيد علية ما قبله كما أوضحناه، ولك أن تقول: هذا تعليل المعلل.
قوله: (ولذلك لو قرئ إِنَّا بالفتح على حذف لام التعليل جاز) ولو قرئ الخ. كلمة
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وهو تعليل للنهي عَلَى الاسْتئْنَاف. أي قوله: (إنا نعلم) الآية. تعليل لنهي
رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن أن يحزن من قولهم ذلك وارد عَلَى الاسْتئْنَاف لبيان العلة فكأنه لما قليل(فلا
يحزنك قولهم)قيل ما علة النهي عن الحزن من قولهم ذلك فقيل (إنا نعلم) الخ. أي إنا
نجازيهم عَلَى قولهم ذلك ونعاقبهم عليه وننتقم منهم، وهذا وإن كان نهيًا لقولهم عن أن يحزن
رسول الله عليه الصلاة وَالسَّلَامُ لكن الْمُرَاد به نهي رسول الله عن أن يحزن من قولهم عَلَى ما مَرَّ
في قَوْله تَعَالَى: (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا) أنها نهي للكافر عن أن يصد
مُوسَى [عنها] ، والْمُرَاد نهي مُوسَى عن أن ينصد بصده.
قوله: ولذلك لو قرئ الخ. أي ولأجل أنه تعليل للنهي لو قرئ (إنا نعلم) بفتح الهمزة عَلَى
معنى لأنا نعلم جاز عَلَى حذف اللام الجارة من أن هذا رد لقول من قال إن قرأ قارى (إنا نعلم)
بالفتح بطلت صلاته وإن اعتقد ما يعطيه من الْمَعْنَى كفر فتلخيص معنى الجواز أن الفتح إذا حمل
على تعليل النهي لا فرق بينه وبين الكسر عَلَى الاسْتئْنَاف في صحة الْمَعْنَى، وأما إن علق اللام
المقدرة فيه بالحزن واعتقد أن الْمَعْنَى إنك تحزن لعلمنا سرهم وعلنهم فلا تحزن له يلزم الكفر
وكذا لا يلزم الكفر إن أراد به التعريض بغيره ولم يعتقده. وفي الكواشي: (إنا نعلم) تعليل في الْمَعْنَى
وإن كانت مكسورة وزعم بعضهم أن من فتح إنا بطلت صلاته وكفر وليس كَذَلكَ لأنه لا يخلو إما
أن يفتحها تعليلًا فمعناها كالمكسورة [ونحوه] التلبية في لبيك إن الحمد والنعمة لك. فتح الشَّافعي
وكسر أبو حنيفة وهما تعليل أو بفتحها بدلًا من قولهم أي فلا يحزنك(إنا نعلم ما يسرون وما
يعلنون)من الكفر وتَكْذيبك فنجازيهم عليه وليس بكفر أَيْضًا لجواز أن يخاطب هُوَ
-صلى الله عليه وسلم - والْمُرَاد غيره نحو (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) بل إن اعتقد أن محمدًا يحزن
لعلمه تَعَالَى سرهم وعلانيتهم فقد كفر أو بفتحها معمولة قولهم عند كل من يعمل الْقَوْل بكل حال
وليس بكفر أَيْضًا. إلَى هنا كلام صاحب الكواشي.