وأضاف كتاب الله إلى هذا الجواب، الذي لا يدخله الشك والارتياب، ظاهرة باهرة أخرى هي ظاهرة انقداح النار من الشجر الأخضر، مع ما بين الماء والنار من تضاد في المخبر والمظهر، وهي ظاهرة معترف بها في القديم والحديث، وذلك قوله تعالى في نفس السياق: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} .
وليقضي كتاب الله على جحود المتنطعين وعنادهم، وعلى شك المتحذلقين واستبعادهم، ألقى عليهم الحق سبحانه وتعالى
سؤالا ضخما لا يمكن أن يكون جوابه إلا بالتسليم، من كل ذي عقل سليم، فقال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} ، الذي عم خلقه كل شيء، وأحاط علمه بكل شيء، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
وختمت سورة (يس) بخاتمة كلها تسبيح وتقديس، واعتراف بحكمة الله الباهرة، وتمجيد لقدرته القاهرة، وتذكير بسطوته الباطنة والظاهرة، {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
والآن وقد انتهينا بحمد الله من تفسير سورة (يس) المكية ننتقل بعون الله إلى تفسير (سورة الصافات المكية) أيضا، قال تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} .
هذا قسم من الله تعالى بملائكته، {الصَّافَّاتِ} بالملأ الأعلى في عبادته، و {الزَّاجِرَاتِ} ، عباده عن معصيته، و {التَّالِيَاتِ} ، كلامه المنزل على رسله لإرشاد الإنسان وهدايته، وهذه الصفة الأخيرة للملائكة جاءت هنا على غرار قوله تعالى فيما سيأتي في سورة المرسلات (5 - 6) : {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا، عذرا أو نذرا} ، وقال جار الله الزمخشري:"يجوز أن يقسم الله بنفوس العلماء العمال، {الصَّافَّاتِ} ، أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات، {فَالزَّاجِرَاتِ} ، بالمواعظ والنصائح، {فَالتَّالِيَاتِ} ، آيات الله، والدارسات"