ومن مقام التذكير بالنعم الإلهية التي أسبغها الحق سبحانه وتعالى على خلقه، عسى أن يعودوا إلى الله ويقدروه حق قدره يعود كتاب الله إلى وصف ما عليه المشركون الضالون، ومن سلك مسلكهم، من الجهل بعظمة الله، والشرك بربوبيته، وعدم الاعتراف بوحدانيته، وعبادة الأصنام والأوثان بدلا من عبادته، والتصدي لمقاومة كل من يطعن في معبوداتهم ويكشف عن حقيقتها، أملا في تلقي نصرها ومعونتها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى بمنتهى الإيجاز: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} .
وللتخفيف من هموم الرسول ومشاغله، من أجل ما يلقاه عليه الصلاة والسلام من أذى المشركين وتعنتهم كل مطلع شمس، خاطبه ربه قائلا: {فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} .
وكما ذكر كتاب الله الإنسان بنعمة"الأنعام"التي لا يطيب له العيش بدونها ولا المقام، ها هو كتاب الله يذكر الإنسان
بنفسه التي بين جنبيه، ويتساءل بمنتهى الاستغراب كيف ينسى الإنسان أن الله هو الذي أوجده من العدم، وأنه خلقه من ماء مهين، ثم صوره في أحسن صورة، وجعله في أحسن تقويم، وزوده بالعقل والنطق واللسان، إلى أن أصبح فصيحا بليغا يحسن الجدل والقول والبيان، وبدلا من أن يعترف بفضل الله عليه، ها هو يجادل في الحق ويكابر، ولا يتورع عن المجاهرة بأسخف سؤال يوجهه المخلوق إلى الخالق، وإلى هذه المعاني يشير قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} ، أي: يتولى مخاصمة مبدعه وخالقه، ويتشدق بتحدي ممده ورازقه، {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} ، لكن لم يلبث أن جاءه الجواب المفحم القاطع: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} ، قال القشيري:"وما دامت الإعادة في معنى الإبداء، فأي إشكال يبقى في جواز الإعادة في الانتهاء".