وقرأ الجمهور: {سَلامٌ} بالرفع على أنه بدل من {ما} وخبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو سلام، كما سيأتي في مبحثه. وقرأ أبي، وعبد الله، وعيسى والقنوي {سلامًا} بالنصب على المصدر. وقال الزمخشري: نصب على الحال؛ أي: لهم مرادهم خالصًا. وقرأ محمد بن كعب القرظي (سِلْم) بكسر السين وسكون اللام، ومعناه: سلام. وقال أبو الفضل الرازي: مسالم لهم؛ أي: ذلك مسالم.
59 - {وَامْتازُوا} ؛ أي: اعتزلوا، وانفردوا، وتميزوا {الْيَوْمَ} ؛ أي: في هذا اليوم. وهو يوم القيامة، والفصل والجزاء من المؤمنين الصالحين. وكونوا على حدة {أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} ؛ أي: أيها المشركون؛ أي: ويقال للمشركين: انفردوا اليوم أيها المجرمون عن المؤمنين، حين يسار بهم إلى الجنة. إذ لا دواء لألمكم، ولا شفاء لسقمكم.
وقال داود بن الجراح: يمتاز المسلمون من المجرمين، إلا أصحاب الأهواء، فإنهم يكونون مع المجرمين. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة.
وقيل: إن لكل كافر في النار بيتًا، فيدخل ذلك البيت، ويردم بابه، فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى. وهو على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان، وعذاب الفرقة عن القرناء، والأصحاب من أسوأ العذاب وأشد العقاب، قاله قتادة. فعلى هذا القول يمتاز بعضهم عن بعض. ودل التعبير بالامتياز، على أنه حين يحشر الناس يختلط المؤمن والكافر، والمخلص والمنافق. ثم يمتاز أحد الفريقين عن الآخر، كقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) } . وهو عطف قصة سوء حال هؤلاء وكيفية عقابهم على قصة حسن أولئك ووصف ثوابهم. وكان تغيير الأسلوب لتخييل كمال التباين بين الفريقين، وحاليهما. ويجوز أن يكون معطوفًا على مضمر، ينساق إليه حكاية حال أهل الجنة، كأنه قيل بعد بيان كونهم في شغل عظيم الشأن، وفوزهم بنعيم مقيم، يقصر عنه البيان، فليقروا بذلك عينا، وامتازوا عنهم اليوم أيها المجرمون إلى مصيركم، فكونوا في السعير، وفنون عذابها ولهبها بدل الجنة لهم، وألوان نعمها وطربها.