وأقول: إن من محاسن التنزيل الكريم وبلاغته الخارقة ، هو الإيجاز في الأنباء التي يقصها ، والإشارة منها إلى روحها وسرها ، حرصاً على الثمرة من أول الأمر ، واقتصاراً على موضع الفائدة ، وبعداً عن مشرب القصّاص والمؤرخين ؛ لأن القصد من قصصه الاعتبار والذكرى ، وما من حاجة إلى تسمية تلك المبهمات كائنة ما كانت ، ثم إن المفسرين رحمهم الله عنوا بالبحث ، والأخذ ، والتلقي ، فكان من سلف منهم يرون فيما يرون أن من العلم تفصيل مجملات التنزيل وإبانة مبهماته ، حتى جعل ذلك فنّاً برأسه ، وألف فيه مؤلفات ، ولا بأس في التوسع من العلم والازدياد منه بأي طريقة كانت ، لاسيما وقد رفع عنّا الحرج بالتحدث عن بني إسرائيل ، إلا أنه يؤاخذ من يجزم بتعيين مبهم ما ، إن كان جزمه من غير طريق القواطع ؛ فإن القاطع هو ما تواتر أو صح سنده إلى المعصوم ، صحة لا مغمز فيها ، وهذا مفقود في الأكثر ، ومنه بحثنا المذكور ؛ فإن تعيين أن البلدة أنطاكية وتسمية الرسل ، إنما روي موقوفاً ومنقطعاً ، وفي بعض إسناده متهمون ، ولذا قد يرد على من يقطع بذلك ما لا مخرج له منه ، فالمفسر أحسن أحواله أن يمشي مع التنزيل ، إجمالاً فيما أجمله ، وتفصيلاً فيما فصله ، ولا يأخذ من أيضاًح مبهماته إلا بما قام عليه قاطع أو كان لا ينبذه العلم الصحيح ، وإلا فليعرض عن تسويد وجوه الصحف بذلك ، بل عن تشويهها .
والذي حمل السلف على قص ما نحن فيه ، هو تلقيهم له عن مثل كعب ووهب ، وموافقة من في طبقتهما لهما فيه . هذا أولاً .
وثانياً شهرة بلدة أنطاكية في ذلك العهد ، لاسيما وقد أسس فيها معبداً أحد رسل عيسى عليه السلام .