وأما الجهلة والمتفيهقون فيترفع العلماء عن نقاشهم ، والخوض معهم ، لأن الخوض معهم لا يفضي إلى نتيجة ، إذ لا توجد بين الاثنين قاعدة مشتركة يرجعان إليها ، فالعالم يرجع إلى العلم والقواعد التي تملي عليه ما يقول ، وأما الجاهل فيرجع إلى العصبية ، والهوى ، ولذلك لا يلتقيان ، وغالباً ما تكون الغلبة للجاهل ، إذ يجمع عليه جهله ما يتنزه عنه العلماء ، ولذلك قال الإمام الشافعي: (( ما ناظرت عالماً إلاَّ وغلبته ، وما ناظرني جاهل إلاَّ وغلبني ) )، ولذلك يعرض العالم عن الجاهل امتثالاً لقول الله:] وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [] الفرقان / 63 [فهم يقولون ما يعتقدونه من الحق ، قبله أولئك المتفيهقون أو رفضوه ، لأنه لا يؤبه لهم ، كما قال الشاعر:
عذرت البُزْل إذ هي خاطرتني .... فما بالي وبال ابني لبون
أو كما قال الآخر:
وابن اللبون إذا ما لرْفي قَرَن .... لم يستطع صولة البزل القناعيسِ
لقد هجا بشار بن بُرْد جريراً ، طمعاً في أن يرد عليه جرير ، ويدخل حلبة الصراع مع الفحول الثلاثة ، جرير ، والفرزدق ، والأخطل ، فيشتهر شهرتهم ، لكن جريراً لم يأبه له ، ولم يرد عليه ، لأنه وجده دون هذه المنزلة ، فبكى بشار ، فقيل له: ما يبكيك يا أبا معاذ ؟ فقال عدم هجاء جرير لي ، فإنه لو هجاني لصيرني أشعر الناس .
ولمثل هؤلاء قال صريع الغواني مسلم بن الوليد:
أمّا الهجاءُ فَدَقَّ عرضُكَ دونه .... والمدْحُ عنك كما علمتَ جليلُ
وأخيراً .. إن واجباً عظيماً يتوجب على أهل العلم القيام به في هذا العصر ، الذي ارتفعت فيه رايات الجهل بعلوم الشريعة ، ونكست أعلام العلم ، حتى صار كالأطلال .