وما ظَنُّ الناسِ برجلٍ يقول: إن البخاريَّ - صاحبَ صحيح - ضالُّ ، لا تعرف عقيدته ، ولا يجوز أخذ العقيدةِ منه ، وأن الرواية عنه كالرواية عن أصحاب البدع والأهواء بشروطها .. ؟! لأنه أوَّل الوجه في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} {القصص / 88}
وما ظن الناسِ بأناس يقولون: إن الإمام الطَبَريّ ، والبيهقي ، وابن عساكر ، وابن الصلاح ، والعراقي ، والمِزَّيّ ، وابن حجر والسيوطي ، والنووي ، والعز بن عبد السلام ، والغزالي ن وإمام الحرمين الجويني ، والسبكي وأولاده ، وأولاد الأثير ، والإمام الرازي ، والآمدي ، والبيضاوي ، وجل عظماء أمة الإسلام دون الإسهاب بتعدادهم - يقولون: إنهم من الفرق الضالة وأهل جهنم لأنهم يجيزون التأويل ... ؟
إن سَمْعَ كل عاقل لينبوا عن سماع مثل هذا الضلال والانحراف ، ولولا أنه واقع لظن الناس أنه من خيال الشعراء ، ومبالغة الأدباء .
وليت الأمر وقف عند هذا فقط ، إذاً لقلنا إنها سحابة صيف وتنقشع ، ونزوة عاطفة ستخبو وترتدع ، لبعدها عن المنهج القويم ، والصراط السوي المستقيم ، ولا سيما بإقبال كثير من أولئك الناس على قراءة علوم الشرع ، مما سيرفع من ثقافتهم ، ويوسع أفقهم ، ويجعلهم هم أنفسهم يسخرون من أنفسهم عندما كانوا يقولون مثل هذا الكلام الذي لا يصدر إلاَّ عن معين الجهل ، كما وقع لكثير منهم عندما خالط العلماء ، وتلقى المعرفة من مصادرها الحقيقية بصدق نية وصفاء .
ولكن الأمر تجاوز كل هذا إذ انقلب إلى ثورة صريحة على كل العلوم ، والقوانين ، والضوابط ، والمصطلحات الإسلامية ، والى تهكم علني - لا حياء معه - بإرث النبوة من علماء الأمة ، قديمها وحديثها ، فقامت دعوة تطالب بالثورة على كتب الفقه الصفراء ، وتطالب بفقه جديد .
وقامت دعوة تطالب بالثورة على أصول الفقه الإسلامي ، وتدعوه إلى تدوين أصول جديدة للفقه .