وذكر أبو نعيم في الحلية، إن زينَ العابدين علي بن الحسين عليهما السلام كان يذهب إلى زيد بن أسلم، فيجلس إليه، فقيل له: أنت سيد الناس وأفضلهم تذهب إلى هذا العبد فتجلس إليه، فقال: العلم يُتَبع حيث كان ومن كان. فإن كان الخامل ممن ترجى بركته، كان النفع به أعم والتحصيل من جهته أتم. وإذا سيرت أحوال السلف والخلف، لم تجد النفع يحصل غالباً، والفلاح يدرك طالباً إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر، وكذلك إذا اعتبرت المصنفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى الأزهد أوفر، والفلاح الاشتغال به أكثر. وليجتهد على إن يكون الشيخ ممن له في العلوم الشرعية تمام اطلاع، وله ممن يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ من بطون الأوراق. لمال الشافعي، من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام، وكان بعضهم يقول: من أعظم البلية مشيخة الصحيفة، أي الذين يتعلمون من الصحف.
الثاني: إن ينقاد لشيخه في أموره، ولا يخرج عن رأيه وتدبيره، بل يكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر، فيشاوره فجما يقصده، ويتحرى رضاه فجما يعتمده، ويبالغ في حرمته ويتقرب إلى الله بخدمته، ويعلم إن ذله لشيخه عز، وخضوعه فخر، وتواضعه له رفعة. أخذ ابن عباس رضي الله عنه، مع جلالته وقرابته من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلو مرتبته، بركاب زيد بن ثابت الأنصاري، وهو ممن أخذ عنه ابن عباس العلم، وقال: هكذا أمرنا إن نفعل بعلمائنا، وقد سبق ما رواه الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة مرفوعاً، تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة وتواضعوا لمن تعلمون منه، ولا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، ومهما أشار عليه شيخه بطريق في التعليم فليقلده، وليدع رأيه، فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه.