العاشر: إن يترك العشرة، فإن تركها من أهم ما ينبغي لطلب العلم، ولا سيما لغير الجنس، وخصوصاً لمن كثر لعبه وقلت فكرته، فإن الطباع شر آفة، وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب المال والعرض إن كانت لغير أهل، وذهاب الدين إن كانت لغير أهله. والذي ينبغي لطالب العلم إن لا يخالط إلا من يفيد أو يستفيد منه، كما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أغد عالماً أو متعلماً، ولا تكن الثالث فتهلك. فإن شرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه، فليتلطف في قطع عشرته في أوائل الأمر قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء الدفع اسهل من الرفع، فإن احتاج إلى من يصحبه فليكن صالحاً، ديناً، تقياً، ورعأً، كثير الخير، قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، فإن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، أو ضجر صبره، ومما يروى عن علي رضي الله عنه:
لا تصحب أخا الجهل ... وإيَّاك وإيَّاه
فكم من جاهل أردى ... حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
ولبعضهم:
إن أخاك الصدق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك ... شتت شمل نفسه ليجمعك
الفصل الخامس
في آداب المتعلم مع شيخه وقدوته
وما يجب عليه من عظيم حرمته وذلك ثلاثة عشر نوعاً: الأول: ينبغي للطالب إن يقدم النظر، ويستخير الله فيمن يأخذ عنه العلم، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، ويتحرى في كونه ممن كملت أهليته وتحققت شفقته، وطهرت مروءته وعرفت عفته، واشتهرت صيالته، وكان احسن تعليماً وأجور تفهيماً، ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص ورع أو دين أو عدم خلق جميل، وعن السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، وليحذر من التقيد بالمشهورين وترك الأخذ عن الخاملين، فقد عده الغزالي وغيره من الكبر في العلم، لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها، ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه، فإنه يهرب من مخافة الجهل كما يهرب من الأسد، والهارب من الأسد لا يأنف من دلالة من يدله على الخلاص، كائناً من كان.