{وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31] الملتفتين إلى غير الله، {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} [الروم: 32] الذين كانوا عليها في الفطرة التي فطر الناس عليها من التجريد والتفريد والتوحيد والمراقبة في مجلس الأنس والملازمة للمكالمة مع الحق، {وَكَانُواْ شِيَعاً} [الروم: 32] أي: وصاروا فرقاً: فريقاً: منهم مالوا إلى نعيم الجنان، وفريقاً: منهم رغبوا في نعيم الدنيا بالخذلان، وفريقاً: منهم وقعوا في شبكة الشيطان فساقهم إلى حب الشهوات وإلى درك النيران.
{كُلُّ حِزْبٍ} [الروم: 32] من هؤلاء الفرق {بِمَا لَدَيْهِمْ} [الروم: 32] من مشتهى نفوسهم ومقتضى طباعهم، {فَرِحُونَ} [الروم: 32] فجالوا في ميدان الغفلات واستغرقوا في بحار الشهوات وظنوا بالظنون الكاذبة أن جذبتهم إلى ما هم فيه السعادة الحادثة، فإذا انكشف ضباب فهمهم، وانقشع سحاب جهدهم، انقلب فرحهم ترحاً واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة ولم يفرحوا إلا في أوطان الجهالة، وسوف ترى إذا تجلى الغبار أفرسٌ تحتك أم حِمار.
ثم أخبر عن خصائص الإنسان الغالب عليه نسيان الإحسان بقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم: 33] يشير إلى طبيعة الإنسان أنها ممزوجة من هداية الروح وطاعته، ومن ضلالة النفس وعصيانها وتمردها، فإن الناس إذا أظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ومستهم البلية انكسرت نفوسهم وسكنت دواعيها وتخلصت أرواحهم عن أسر ظلمة شهواتها ورجعت على وفق طبعها المجبولة عليه إلى الحضرة، ورجعت النفوس أيضاً بموافقة الأرواح على خلاف طباعها مفطورة في دفع البلية إلى الله مستغيثين بلطفه مستجيرين عن محنتهم، مستكشفين الضر، فإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم.