ثم أخبروا بوقوع البعث تبكيتًا لهم؛ لأنهم كانوا ينكرونه فقالوا؛ {فَهَذَا} اليوم، (الفاء) : واقعة في جواب شرط محذوف؛ أي: إن كنتم منكرين البعث.، فهذا اليوم الحاضر هو {يَوْمُ الْبَعْثِ} والحشر الذي أنكرتموه وكنتم توعدون في الدنيا؛ أي: فقد تبين بطلان إنكاركم.
وقرأ الحسن: {البعث} بفتح العين في الموضعين، وقرئ: بكسرها، وهو اسم، والمفتوح: مصدر. {وَلَكِنَّكُمْ} من فرط الجهل، وتفريط النظر {كُنْتُمْ} في الدنيا {لَا تَعْلَمُونَ} أنه حق سيكون فتستعجلون به استهزاءً.
والمعنى: أي فهذا اليوم الحاضر، هو اليوم الذي أنكرتموه في الدنيا، وزعمتم أنه لن يكون، لتفريطكم في النظر وغفلتكم عن الأدلة المتظاهرة عليه.
57 -ولما كانت الأدلة تترى على أن الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء .. ذكر أن المعاذير لا تجدي في هذا اليوم، فلا يجابون إلى ما طلبوا من الرجوع إلى الدنيا، لإصلاح ما فسد من أعمالهم فقال: {فَيَوْمَئِذٍ} ؛ أي: يوم إذ تقوم القيامة أو يوم، إذ يقع ذلك من إقسام الكفار، وقول أولي العلم لهم {لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} ؛ أي: أشركوا {مَعْذِرَتُهُمْ} ؛ أي: عذرهم، وهو فا عل ينفع؛ أي: لا ينفعهم اعتذارهم من ذنوبهم.
وقرأ الجمهور وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: {لا تنفع} بالتاء الفوقية، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: بالياء التحتية هنا، وفي الطول، وافقهم نافع في الطول؛ لأن التأنيث غير حقيقي. {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ؛ أي: لا يطلبون بإرضاء الله سبحانه وتعالى بالتوبة الصادقة عن الشرك والمعاصي، ولا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم؛ أي: إزالة عتبهم وغضبهم من التوبة والطاعة، كما دعوا إليه في الدنيا، إذ لا يقبل حينئذ توبة ولا طاعة، وكذلك لا يصح رجوع إلى الدنيا، لإدراك فائت من الإيمان والعمل؛ أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم بتوبة وطاعة؛ أي: لا يطلب منهم الإعتاب؛ أي: الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف قال هنا ذلك مع قوله في فصلت: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} حيث جعلهم هنا مطلوبًا منهم الإعتاب، وجعلهم ثَمَّ طالبين له؟