آلات التفريق والتحليل؛ لأن كل واحد منهم يهتم بلذة نفسه، ويجتهد في أن لا
يتصل بغيره، وكيف يمكن أن يتحد بمجموع قومه من انكمشت نفسه دون الاتحاد
بزوجه، على ما لاتحاد الزوجين من العلل والجواذب النفسية والطبيعية والشرعية
والاجتماعية؟
يكثر طلب المرأة الغنية لهذا العهد في الطبقة المتعلمة على الطريقة العصرية
فلا تكاد ترى بين شبان هذه الطبقة إلا الباحثين عن البنات الوارثات؛ أو اللواتي
ينتظر أن يرثن مالاً كثيرًا، وأرضًا واسعة، ودورًا عامرة، ولا تكاد تسمع منهم
عند ذكر الزواج إلا قولهم: (إنني أطلب فتاة تملك دارًا، وكذا فدانًا من الطين)
وهذا دليل على أن التعليم الذي تعلموه ما كان إلا ضارًّا بهم، بما أفسد من فطرتهم،
وياشقاء من تتزوج بواحد منهم، فإنما يكون حظها منه أن يستعين بمالها على
التمتع بشهواته الفاسدة خارج بيتها، وويل لها إن سكتت موافقة، وألف ويل لها إن
نطقت مخالفة.
لو ذهبنا نعد مفاسد هؤلاء المخذولين في اختيارهم هذا وآثاره؛ خرج بنا القول
عن حد المقالة المنبهة، ودخل في أبواب الكتب المطولة، وكفى بما ذكرناه منبهًا
للغافل وسائقًا للنظر العقلي في ذلك وللبحث في حال هؤلاء الناس، وفيها عبر
وآيات للمتفكرين.
وقد يشتبه على بعض الباحثين ما يراه من الحب، وسكون النفس، والوفاق
وحسن المعيشة بين زوجين اختار الرجل منهما المرأة لغناها، أو استحسان
صورتها؛ فيظن أن ما قلناه غير صحيح، ونحن لا نجهل أن مثل هذا قد يقع فيكون
على حد المثل (رمية من غير رام) والسبب في مثله أن يكون بين هذين الزوجين
مشاكلة في الطباع، وتناسب في الأخلاق، وتقارب في العادات من حيث لا يدري
بذلك أحد منهما قبل الاقتران.
ولكن هذا قليل لا سيما في طلاب المال وعُبَّاده الذين يرضون أن تكون
الزوجية وسيلة له؛ لأن من بلغ منه فساد الفطرة هذا المبلغ قلما يهنأ لأحد معه عيش
كما قلنا آنفًا.
الطريقة المثلى في الاختيار:
يجب أن يُلاحظ في المرأة الصفات التي يُرجى أن يتحقق بها مضمون قوله
تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم