{كَذَلِكَ} ؛ أي: مثل ذلك الصرف الواقع منهم يوم القيامة {كَانُوا} ؛ أي: كان المشركون في الدنيا، بإنكار البعث، والحلف على بطلانه، كما أخبر سبحانه في قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} {يُؤْفَكُونَ} ؛ أي: يصرفون عن الحق والصدق، فيأخذون في الباطل والإفك والكذب، يعني: كذبوا في الآخرة، كما كانوا يكذبون في الدنيا.
والمعنى: أي ويوم تجيء ساعة البعث، فيبعث الله الخلق من قبورهم، يقسم المجرمون الذين كانوا يكفرون بالله في الدنيا، ويكتسبون فيها الآثام، إنهم ما أقاموا في قبورهم إلا قليلًا من الزمان، وهذا استقلال منهم لمدة لبثهم في البرزخ على طولها، وهم قد صرفوا في الآخرة عن معرفة مدة مكثهم في ذلك الحين.
{كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} ؛ أي: كذبوا في قولهم: ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا في الدنيا يحلفون على الكذب، وهم يعلمون، والكلام مسوق للتعجب من اغترارهم بزينة الدنيا وزخرفها، وتحقير ما يتمتعون به من مباهجها ولذاتها، كي يقلعوا عن العناد، وهويرجعوا إلى سبل الرشاد، وكأنه قيل: مثل ذلك الكذب العجيب كانوا يكذبون في الدنيا، اغترارًا بما هو قصير الأمد من اللذات وزخارف الحياة.
56 -ثم ذكر توبيخ المؤمنين لهم، وتهكمهم بهم بقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} بكتاب الله، {وَالْإِيمَانَ} بالله في الدنيا من الملائكة والإنس لأولئك المنكرين، ردًا لقولهم، وإنكارًا لكذبهم، والله {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ} ؛ أي: في علمه وقضائه الأزلي في أم الكتاب؛ أي: بحسب ما في علم الله تعالى في قبوركم من يوم مماتكم {إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} وهو مدة مديدة، وغاية بعيدة لا ساعة حقيقة، وفي الحديث:"ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون"، وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام، والظاهر أربعون سنة، أو أربعون ألف سنة.