قلت: معنى قوله هنا: {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ؛ أي: ولا هم يقالون عثراتهم بالرد إلى الدنيا، ومعنى قوله: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} ؛ أي: إن يستقيلوا .. فما هم من المقالين، فلا تنافي.
والمعنى: ففي هذا اليوم لا تنفع هؤلاء المجرمين معاذيرهم عما فعلوا، كقولهم: ما علمنا أن هذا اليوم كائن، ولا أنا نبعث فيه، ولا هم يرجعون إلى الدنيا ليتوبوا؛ لأن التوبة لا تقبل حينئذ، فالوقت وقت جزاءٍ، لا وقت عمل، وقد حقت عليهم كلمة ربهم: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} .
والخلاصة: أنهم لا يعاتبون على سيئاتهم، بل يعاقبون عليها، ولا يطلب منهم الرجوع إلى ما يرضي الله سبحانه من التوبة والعمل الصالح، وذلك لانقطاع التكليف في ذلك اليوم.
58 - {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ} ؛ أي: وعزتي وجلالي لقد ضربنا وبينا، وأوضحنا للناس {فِي هَذَا الْقُرْآنِ} الكريم {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} ؛ أي: من كل صفة كأنها في غرابتها كالأمثال، وذلك كالتوحيد والحشر وصدق الرسل وسائر ما يحتاجون إليه، من أمر الدين والدنيا، مما يهتدي به المتفكر، ويعتبر به الناظر المتدبر، أو المعنى: ولقد وصفنا لهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة، كالأمثال مثل صفة المبعوثين يوم القيامة، وما يقولون وما يقال لهم، وما لا يكون لهم من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب، أو بينا لهم من كل مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد الله تعالى وعلى البعث وصدق الرسل، واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك.
ففيه: إشارة إلى إزالة الأعذار وقطعها عنهم والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار وكلمة من في قوله: {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} للتبعيض، كما في"الكرخي".