أشار سبحانه إلى عظمته بقوله مؤكداً لأنّ عملهم في شدّة اهتمامهم بالسعي في الدنيا عمل مَنْ يظنّ أنّ تحصيله إنما هو على قدر الاجتهاد في الأسباب {إن في ذلك} أي: الأمر العظيم من الإقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع على شخص والتقتير على آخر ، والأمن من زوال الحاضر من النعم مع تكرّر المشاهد للزوال في النفس والغير واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة وجدان الفرج وغير ذلك من أسرار آلائه {لآيات} أي: دلالات واضحات على الوحدانية لله تعالى وتمام العلم وكمال القدرة وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هو لكن {لقوم} أي: ذوي همم وكفاية القيام بما يحق لهم أن يقوموا به {يؤمنون} أي: يوجدون هذا الوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم من قيام الأدلة بإدامة التأمّل والإمعان والتفكر والاعتماد في الرزق على من قال {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} (القمر: (
أي: من طالب علم فيعان عليه ، فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت خوفاً من زوالها إذا أراد القادر ذلك ، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها فضلاً من الرازق ؛ لأنّ أفضل العبادة انتظار الفرج بل همهم بما عليهم من وظائف العبادة واجبها ومندوبها ، ومعرضون عما سوى ذلك قد وكلوا أمر الرزق إلى من تولى أمره وفرغ من قسمه وقام بضمانه وهو القدير العليم ، ولما أفهم ذلك عدم الاكتراث بالدنيا لأنّ الاكتراث بها لا يزيدها ، والتهاون بها لا ينقصها قال تعالى مخاطباً لأعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره:
{فآت} يا خير الخلق {ذا القربى} أي: القرابة {حقه} أي: من البرّ والصلة ؛ لأنه أحق الناس بالبر وصلة الرحم جوداً وكرماً {والمسكين} سواء كان ذا قرابة أم لا {وابن السبيل} وهو المسافر كذلك من الصدقة ، وأمّة النبيّ صلى الله عليه وسلم تبع له في ذلك.