لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ [الروم: 41] وقال ههنا {وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ} فخاطب ههنا تشريفاً ولأن رحمته قريباً من المحسنين فالمحسن قريب فيخاطب والمسيء بعيد فلم يخاطبهم ، وأيضاً قال هناك بعض الذي علموا وقال ههنا {مّن رَّحْمَتِهِ} فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته وفيه معنيان: أحدهما: ما ذكرنا أن الكريم لا يذكر لإحسانه ورحمته عوضاً ، وإن وجد فلا يقول أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني.
وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي وثانيهما: أن ما يكون بسبب فعل العبد قليل ، فلو قال أرسلت الرياح بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة ، وأما إذا قال {مّن رَّحْمَتِهِ} كان غاية البشارة ، ومعنى ثالث وهو أنه لو قال بما فعلتم لكان ذلك موهماً لنقصان ثوابهم في الآخرة ، وأما في حق الكفار فإذا قال بما فعلتم ينبئ عن نقصان عقابهم وهو كذلك.
المسألة الثالثة:
قال هناك {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وقال ههنا {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} قالوا وإشارة إلى أن توفيقهم للشكر من النعم فعطف على النعم.
المسألة الرابعة:
إنما أخر هذه الآية لأن في الآيات التي قد سبق ذكرها قلنا إنه ذكر من كل باب آيتين فذكر من المنذرات {يُرِيكُمُ البرق} والحادث في الجو في أكثر الأمر نار وريح فذكر الرياح ههنا تذكيراً وتقريراً للدلائل ، ولما كانت الريح فيها فائدة غير المطر وليس في البرق فائدة إن لم يكن مطر ذكر هناك خوفاً وطمعاً ، أي قد يكون وقد لا يكون وذكر ههنا {مبشرات} لأن تعديل الهواء أو تصفيته بالريح أمر لازم ، وحكمه به حكم جازم.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)