أما الاحتجاج عليهم: فإنه معلوم؛ لأنهم كانوا لا يركبون السفن والبحار مع المؤمنين، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم، ثم أخبر عما أخلصوا له والدعاء له والتضرع، دل أنه بالله عرف ذلك؛ فذلك يدل على رسالته.
والثاني: فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية اللَّه وألوهيته؛ حيث فزعوا عند الشدائد والبلايا إلى اللَّه، وأخلصوا له الدِّين، ثبت أنهم قد عرفوا سفه أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة اللَّه، تعالى.
والثالث: تصديقًا لقوله (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) ؛ لأنهم كانوا يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به؛ كقولهم: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا) فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا؛ كما عادوا إذا كشف عنهم الضر.
وأما العظة والتنبيه للمؤمنين: فهو أن يكونوا في الأحوال كلها على حال واحد في حال الرخاء والشدة، ذاكرين له شاكرين؛ لأنهم في حال الشدة والبلايا أكثر ذكرًا له وإنابة من حال السعة والرخاء، فينبههم ليكونوا في كل حال ذاكرين له منيبين إليه راجعين.
وفيه دلالة: شدة سفه أُولَئِكَ الكفرة؛ حيث أنابوا إليه وأخلصوا له الدِّين عندما يصيبهم الشدة والبلاء، ويعرضون عنه ويشركون في ألوهيته عند السعة. وفي طباع الخلق في الشاهد خلاف ذلك: أن من ضيق على آخر أمره وشدده فهو يعرض عنه ويبغضه، ومن أنعم عليه من ملوك الأرض وأحسن - أطاعه وأحبه؛ فهم لشدة سفههم عكس طباعهم، وخالفوا طباع الناس جميعًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً) .
أي: السعة والرخاء.
(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) .
فَإِنْ قِيلَ: ما فائدة ذكر هذه الآيات وأمثالها، وهم كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينظرون فيها.
قيل: قد يحتج عليهم بما لا يقرون ولا ينظرون فيه.
أو أن ينظر في ذلك فريق منهم ويعرفونه، واللَّه أعلم.