ويقال مِنْ كمالِ البلاء على موسى أَنَّه وافى الناسَ وكان جائعاً ، وكان مقتضى الرِّفْقِ أَنْ يُطْعِموه ، ولكنه قَبَضَ القلوبَ عنه ، واستقبله مِنْ موجباتِ حُكْمِ الوقتِ أَنْ يعملَ أربعين رجلاً ؛ لأن الصخرة التي نَحَّاها عن رأس البئر - وَحْدَه - كان ينقلها أربعون رجلاً ، فلمَّا عَمِلَ عَمَلَ أربعين رجلاٌ ، تولَّى إلى الظِّلِّ ، وقال: إنْ رأيتَ أَنْ تُطْعِمَني بعد مُقَاساة اللتيا والتي.. فذلك فَضْلُكَ!.
قال ذلك بلسان الانبساط ، ولا لسانَ أحلى من ذلك. وسُنَّةُ الشكوى أن تكون إليه لا مِنْكَ.. بل منه إليه.
ويقال: تولَّى إلى ظلِّ الأُنْس ورَوْح البسط واستقلال السِّرِّ بحقيقة الوجود.
ويقال قال: {رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} : فَزِدْني فقراً ؛ فإنَّ فقري إليك يوجِبُ استعانتي بك. (1)
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)
كان شُعيبُ عليه السلام يحتاج إلى أجير ، ولكن لا يسكن قلبُ إلى أحدٍ ، فلمَّا رأى موسى ، وسمع من ابنته وصفةَ بالقوة والأمانة سأل:
عَرَفْتُ قُوَّتَه.. فكيف عرفْتِ أمانتَه؟
فقالت: كنتُ أمشي قُدَّامَه فأَخَّرَني عنه في الطريق قائلاً: سيري ورائي واهديني ، لئلا يَقَعَ بَصَرُه عليَّ.. فقال شعيب:
{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} .
فرغب موسى وتزوجها على صداقٍ أن يعمل عشر حجج لشعيب.
(1) إظهار الضعف آية العبودية فالدعاء هنا ليس من قبيل الشكوى ، ولكنه تعبير عن ضعف العبد أمام عظمة الربوبية ، فكأنه نوع من التعبد (راجع قصة أيوب إذ نادى ربه ....)