وقرب إليه طعاماً فقال موسى: لا آكل ؛ إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً ؛ فقال شعيب: ليس هذا عوض السقي ، ولكن عادتي وعادة آبائي قِرى الضيف ، وإطعام الطعام ؛ فحينئذٍ أكل موسى.
الخامسة: قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره} دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة ، وكذلك كانت في كل ملة ، وهي من ضرورة الخليقة ، ومصلحة الخلطة بين الناس ؛ خلافاً للأصم حيث كان عن سماعها أصم.
السادسة: قوله تعالى: {إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ} الآية.
فيه عرض الوليّ ابنته على الرجل ؛ وهذه سنة قائمة ؛ عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل ، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فمن الحسن عرض الرجل وليته ، والمرأة نفسها على الرجل الصالح ، اقتداء بالسلف الصالح.
قال ابن عمر: لما تأيّمت حفصة قال عمر لعثمان: إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر ؛ الحديث انفرد بإخراجه البخاري.
السابعة: وفي هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الوليّ لا حظّ للمرأة فيه ؛ لأن صالح مدين تولاه ، وبه قال فقهاء الأمصار.
وخالف في ذلك أبو حنيفة.
وقد مضى.
الثامنة: هذه الآية تدلّ على أن للأب أن يزوّج ابنته البكر البالغ من غير استئمار ، وبه قال مالك واحتج بهذه الآية ، وهو ظاهر قويّ في الباب ، واحتجاجه بها يدلّ على أنه كان يعوّل على الإسرائيليات ؛ كما تقدّم.
وبقول مالك في هذه المسألة قال الشافعي وكثير من العلماء.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة فلا يزوّجها أحد إلا برضاها ؛ لأنها بلغت حدّ التكليف ؛ فأما إذا كانت صغيرة فإنه يزوّجها بغير رضاها لأنه لا إذن لها ولا رضا ؛ بغير خلاف.
التاسعة: استدل أصحاب الشافعي بقوله: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح.