روي أنها لما قالت {وهم له ناصحون} قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله ، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون. والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد. والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه. فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع ، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها. فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟ قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها. قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة. قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله {وأحلت لي الغنائم} قالوا: كانت عالمة بأن الله تعالىة سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال سبحانه {ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم} أي أكثر الناس {لا يعلمون} حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله. وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها. قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول"ولكن أكثر الناس"كما قال في سورة يوسف {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 21] وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً. وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك. وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله {ولتعلم} المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.