ثم وعدها سبحانه بما يسلِّيها، ويطمئن قلبها، ويملؤه غبطة وسرورًا، وهو رده إليها، وجعله رسولًا نبيًا، فقال: {إِنَّا رَادُّوهُ} ؛ أي: رادو ولدك {إِلَيْكِ} عن قريب، لتكوني أنت المرضعة له، {وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} إلى فرعون وقومه؛ أي: وباعثوه رسولًا إلى هذا الطاغية، وجاعلو هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه.
وهذه الآية هي من معجزات الإيجاز، لأنها اشتملت على أمرين: {أَرْضِعِيهِ} {أَلْقِيهِ} ، ونهيين {وَلَا تَخَافِي} {وَلَا تَحْزَنِي} وخبرين، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} {وَجَاعِلُوهُ} وبشارتين في ضمن الخبرين، وهما الرد والجعل من المرسلين، حُكي عن الأصمعي قال: سمعت أعرابية تُنشد:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَنْبِي كُلِّهِ ... قَبَّلْتُ إِنْسَانًا بِغَيْرِ حِلِّهِ
مِثْلُ الْغَزَالِ نَاعِمًا فِيْ دَلِّهِ ... فَانْتَصَفَ اللَّيْلُ وَلَمْ أُصلِّهِ
فقلت: قاتلك الله ما أفصحك، قالت: أو يُعدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ...} الآية. فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، في أسهل نظم وأوجز عبارة.
فَإِنْ قُلْتَ: ما فائدة وحي الله تعالى إلى أم موسى بإرضاعه مع أنها ترضعه طبعًا وإن لم تؤمر بذلك؟
قلت: أمرها بإرضاعه ليألف لبنها فلا يقبل ثدي غيرها بعد وقوعه في يد فرعون، فلو لم يأمرها به ربما كانت تسترضع له مرضعة فيفوت المقصود.
فَإِنْ قُلْتَ: قوله تعالى: {وَلَا تَخَافِي} هو معطوف على جواب الشرط، فيلزم عليه التناقض بين إثبات الخوف في قوله: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} وبين نفيه في قوله: {وَلَا تَخَافِي} لأن التركيب يكون حينئذٍ هكذا: فإذا خفت عليه فلا تخافي، وذلك تناقض؟
قلت: لا يلزم التناقض؛ لأن معناه إذا خفت عليه القتل فألقيه في اليم، ولا تخافي عليه الغرق.
فَإِنْ قُلْتَ: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في الآية؟
قلت: الخوف كم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأمر وقع ومضى.
فصل في ذكرِ القصة في ذلك