وليس الوحي الذي أوحى الله إليها هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل، بل إيحاء الله تعالى إليها إلهام، وقذف في القلب، قاله ابن عباس وقتادة، أو منام قاله قوم، أو إرسال ملك قاله قطرب وقوم، وهذا هو الظاهر لقوله تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، وأجمعوا على أنها لم تكن نبية، فإن كان الوحي بإرسال ملك كما هو الظاهر، فهو كإرساله للأقرع والأبرص والأعمى، كما في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما.
وقد سلَّمت على عمران بن حصين الملائكة، كما في الحديث الثابت في الصحيح، فلم يكن بذلك نبيًا، والظاهر أن هذا الإيحاء هو بعد الولادة، فيكون ثم جملة محذوفة؛ أي ووضعت موسى أمه في زمن الذبح، وخافت عليه، وأوحينا إليها أن أرضعيه، و {أَنْ} في {أَنْ أَرْضِعِيهِ} مفسرة؛ لأن في الوحي معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: بأن أرضعيه، وقرأ عمرو بن عبد الواحد وعمر بن عبد العزيز {أن أرضعيه} بكسر نون {أن} ووصل همزة {أَرْضِعِيهِ} ، فالكسر لالتقاء الساكنين، وحُذفت همزة الوصل على غير القياس؛ لأن القياس فيه نقل حركة الهمزة، وهي الفتحة إلى النون، كقراءة ورش.
{فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} ؛ أي: على موسى من جواسيس فرعون ونقبائه، الذين يقتلون أولاد بني إسرائيل اتباعًا لأمره، أو من الجيران أن ينمُّوا عليه إذا سمعوا صوته {فَأَلْقِيهِ} ؛ أي: فألقي موسى {فِي الْيَمِّ} أي: في بحر النيل؛ أي: فاطرحيه في التابوت، والتابوت في البحر، وقد تقدم بيان الكيفية التي ألقته في اليم عليها في سورة طه، {وَلَا تَخَافِي} ؛ أي: من غرقه وضياعه، ومن التقاطه فيُقتل {وَلَا تَحْزَنِي} لفراقه إياك.
رُوي: أن دارها كانت على الشاطئ، فاتخذت تابوتًا مطليًا بالقار، ومهَّدت فيه مهدًا، وألقته في النيل، وليس هناك من دليل على الزمن الذي قضته بين الولادة والإلقاء في اليم.