قصَّ علينا - جل ذكره - قصص المولد، وكيف صدق وعده في رده إليها،
قال الله - عز وجل -: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) أي:
الذي أوحي إليها (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (وَلِتُصْنَعَ
عَلَى عَيْنِي (39) .
عبر بذلك عن أنه كيف يحمل ويرضع ويشبع وينوم، فيذكر الله على ذلك كله
منه، ولو كان مرضعًا في آل فرعون لم يكن ذلك كذلك، فجعل إلهامه أمه ووحيه
إليها حتى أمرت أخته أن تقص أثره إلى أن وقعت عليه، وكان ذلك سبب إرجاعه
إليها، مع أن الله - جل ذكره - بلطفه له في ذلك حرم المراضع عليه ليضطرهم
ضرورة ما ألقى في قلوبهم من حبه والاهتمام بشأنه أن يبحثوا له عمن يرضعه
هكذا جعل تقليبه في نشئه إقباله وإدباره، وقتله النفس وتوبته منها، وعودته إلى
مفارقة العودة في غير تلك النفس، وخوفه من ذلك، وخروجه ولحاقه بمدين،
وإنكاحه هناك، ومكثه فيها راعيًا على صالح تلك الأرض، ذكر أنه شعيب النبي - عليه السلام -
فلم يخله - جل ذكره - حال رضاعه وتربيته وفتوته من صلاح ومصبح يذكره،
ولطف منه به إليه يسدده إلى أن وافاه بالنبوة واصطنعه للرسالة والولاية الكبرى.
عبر عن ذلك كله بقوله الحق: (جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى(40) وَاصْطَنَعْتُكَ
لِنَفْسِي (41) . ثم اخذ يذكر رسالته وتبليغه عن ربه، ونحمل الإصر في
مرضات ربه، وصبره على التبليغ وانتظار الفرج، إلى أن آتاه الله - سبحانه وله
الحمد - نصره، فأغرق فرعون كما نجاه قبل من الغم؛ خشية فرعون وملائه، كما
فرج الكرب عن قومه من السحرة والذبح والذلة، وتلك كلمة الله - جلَّ جلالُه - في بني
إسرائيل وموسى - صلوات الله عليه وسلامه.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا
مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) . والكلمة المعنية.
قوله - عزَّ من قائل: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ