ألا ترى أن جحدهم للساعة، لا يؤذن إلا بظن ضئيل في وجودها يتردد في رءوسهم. وقد تكون الكلمة النكرة موحية بمعنى حقير إلى النفس، كما في قوله تعالى: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) (الكهف 37) .
وقوله سبحانه: (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ(17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) (عبس 17 - 19) .
ولأن النكرة لا تدل على شيء معين، كان استخدامها في بعض المقام مثيرا للشوق والرغبة في المعرفة، كما في قوله تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (الصف 10) .
ولأنها تدل على القليل والكثير كانت بعد النفي لقصد العموم وعلى ذلك قوله تعالى: (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) (البقرة 2) .
وتحدث العلماء عن تنكير السلام الصادر من الله في قوله سبحانه: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (يس 58) .
وقوله: (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) (الصافات 79) .
وقوله: (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) (الصافات 130) .
وقوله: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم 15) .
وقوله: (قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ) (هود 48) .
والذي أحسه في هذا التعبير أن المقام هنا يدل على تعظيم هذا السلام الصادر منه سبحانه، والمقام ينبئ بهذا التعظيم ويشير إليه.
وتستخدم ألوان المعارف في القرآن الكريم في مواضعها الدقيقة الجديرة بها: (فيستخدم الضمير الذي يجمع بين الاختصار الشديد، والارتباط المتين، بين جمل الآية بعضها وبعض، ومن روائع استخدام ضمير المخاطب، أن يأتي به مخاطبا كل من يستطاع الخطاب معه، عند ما يكون الأمر من الوضوح بمكان، ومن ذلك قوله تعالى:(وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ) (السجدة 12) .
وقوله تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) (سبأ 51) .
فكأن سوء حالهم من الوضوح لدرجة ظهوره لكل أحد.