والأخرى: أن قولهم في تأويل الهداية أنها البيان لا الاضطرار إليها خطأ
لا محالة بهذه الآية من حيث لا ينكرون أنصفوا واستبصروا.
فإنا لا نشك وَلا هُم أن الله - جل جلاله - قد بين لكل من خاطبه
بالإيمان طريق الهداية ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بينها
لكل من أرسل إليه ، وأحبها له ، وأنه لم يحرص على إيمان عمر إلا وقد
بين له طريق الهداية مرة بعد أخرى.
فهل تكون الهداية التي لم يقدر عليها محمد - صلى الله عليه وسلم -
لعمه إلا هداية الاضطرار والإجبار ، لا هداية البيان التي قد كان فرغ
منها ، وأدى أمر الله إلى أهله فيها.
ونحن مع هذا البيان الذي لا إشكال فيه نسامحهم في هداية الاضطرار
والإجبار في هذا الموضع ، لتكون أشد لخزيهم ، وأبلغ في كسر قولهم ،
ونسألهم عنها سؤالا فنقول: إن كانت الهداية لا تكون عندكم إلا بيانا ،
والإنسان لا محالة غير مهتد لما لم يبين له ، فهل يكون قوله:(إِنًكَ لَا تهدِى
مَن أَحببتَ)إلا خاصَّا في البيان بشاهد العيان ، إذ كل من كفر لم يبين
له ، ولا الله شاء أن يبين له على دعواهم طريق الهداية وليس لله على أبي
طالب حجة إن كان ابن أخيه لم يبين له ، ولا الله شاء أن يبين
هدايته ، وهو لا يقدر عليها إلا بالبيان أو بالاضطرار والإجبار ، فأي
قول أوحش وأبين غلطا من قول يؤدي نفس قَلبه على قائله إلى هذه
الفضيحة العظيمة ، والقبح الظاهر. نعوذ بالله من غضبه.
اختصار الكلام.
وقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)
حجة في اختصار الكلام ، والإشارة إلى المعنى ، لأنه - جل جلاله -
ذكر الليل والنهار ، ثم ذكر السكون فيه ولم يقل: في الليل ،
وذكر الابتغاء من فضله ولم يقل: في النهار استغناء - والله أعلم - بما
ذكره في موضع آخر.