وبقوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} [النمل: 86] يشير إلى أنه تعالى كما جعل الليل في عالم الصورة سبب السكون والاستراحة والنهار سبب تحصيل المعاش والمنافع، أو لم يروا ببصر البصيرة أنه جعل ليل البشرية سبب استجمام القلب والروح واستراحتهما لحمل أعباء الأمانة وتحمل ثقل القول الثقيل كما قال تعالى لنبيه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5] وهو يقول:"كلميني يا حميراء"طلباً للستر بعد التجلي وجعل نهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مشرقاً يبصر به الحق والباطل ويكاشف به أنواع المعارف {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} دلالات إلى المعارف {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إيماناً عياناً.
وبقوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} [النمل: 87] يشير إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} الروح وهم الصفات الروحانية {وَمَن فِي الْأَرْضِ} البشرية وهم الصفات النفسانية الحيوانية وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحبة، وفزعت الصفات هيجانها للطلب بتهيج أنوار المحبة {إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} فالمستثنى هو الخفي وهو لطيفة مودعة في الروح قابلة لتجلي صفات الربوبية، وإنما سميت خفياً لخفائها في الروح بالقوة، وإنما يحصل بالغفل عنه عند طلوع سموش الشواهد وآثار الحلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى، ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} أي: كل الصفات تهيج عند سطوة آثار المحبة متوجهين لطلب الحق تعالى {دَاخِرِينَ} صاغرين ذليلين مطيعين.