{وَتَرَى الْجِبَالَ} [النمل: 88] جبال الأشخاص {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} قائمة على حالها {وَهِيَ تَمُرُّ} بالصفات وتبديل الأخلاق وقطع المنازل {مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ ِالَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وأحسنه تقديراً وتدبيراً {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} طوائف الخليقة من أهل السعادة والشقاوة، فقد أحوالهم ودبر أسباب أفعالهم {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ} [النمل: 89] من أهل السعادة {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} من حسنات يجازيهم بها في الدنيا والآخرة كما هدى الخلق إلى طلبها بقول {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201] وهي استعمالهم في أحكام الشريعة على وفق آداب الطريقة بتربية أرباب الحقيقة وفي الكثرة حسنة وهي الانتفاع من عالم الحقيقة انتفاعاً أبدياً سرمدياً.
{وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل: 89] لأنهم لا يجزنهم الفزع الأكبر وذلك لأنهم أصيبوا بفزع المحبة فحوسبوا عن فزع يومئذ {وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ} [النمل: 90] وهي حب الدنيا الذي يعمي ويصم أهلها من طلب الحق فيقطع طريق الطلب على طالبي الحق تعالى {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل: 90] نار القطيعة وقيل لهم: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] يعني طلب الدنيا فإنها مبنية على وجه جهنم ودركاتها.
وبقوله: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل: 91] يشير إلى أن العبد مأمور بعبادة رب بلدة القلب فإنه هو الله رب العالمين إلا بعبادة رب بلدة القالب فإنه هي النفس الأمارة التي حرمها أي حرم بلدة القلب على الشيطان أن يدخلها ولهذا قال: {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5] لأنه لا مدخل له في القلب {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} من أسباب الألوهية والربوبية.