{فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [النمل: 79] وثق به {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ} في دعوة الخلق إلى الله {الْمُبِينِ} أي: إنك المبين فيما تهدي إلى طريق الوصول والوصال ولكن {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] الذين أمات الله قلوبهم بحب الدنيا، {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ} الذي أصمهم بحب الشهوات، فإن حبك الشيء يعمي ويصم {إِذَا وَلَّوْاْ} أي: أعرضوا عن الحق {مُدْبِرِينَ} إلى الباطل غلب بقدر أن نهديهم للرشد وفقدهم عن سر النفس {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} تهديهم من حيث الدعاء والدلالة، ولكن لا تهدي واحداً من حيث إحياء القلب بنور العرفان وإزالة الصمم والعمى بنور الإيمان {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} أي: لا تسمع إلا من أسمعناه من حيث إحياء قلوبهم وأرشدناهم إلى طريق الطلب ووفقناهم لاحتمال التعب {فَهُم مُّسْلِمُونَ} أي: مسلمو الأحكام الأزلية.
ثم أخبر عن أمارة الساعة بإخراج الدابة بقوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم} [النمل: 82] الإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [النمل: 82] يشير إلى أن قوماً اختصوا بقول (يحبهم) وإن جعلوا خليعي العذار في المراتع البهيمية قبل البلوغ لاستكمال القالب، فلما بلغوا الأوان بقابلية قول (يحبهم) {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم} واستعدوا للكمالية (ويحبونه) {أَخْرَجْنَا لَهُمْ} من تحت أرض البشرية دابة تكلمهم وهي النفس الناطقة والروح الأمارة فلما تداركتها العناية الأزلية أخرجتها من تحت أرض صفات البشرية الذميمة فتكلم القلب والقرآن أن شريعتي الصفات النفسانية كما مر {كَانُوا بِآيَاتِنَا} بالدلائل.