{وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ} [النمل: 75] من الخواص {فِي السَّمَاءِ} سماء القلب {وَالْأَرْضِ} أرض القالب أي باقية متمكنة فيهما {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} أي: كتاب علم الله {مُّبِينٍ} بين ظاهر وهذا يدل على أنه ما غاب عن علمه شيء من المغيبات الموجود منها والمعدوم واستوى في علمه وجودها وعدمها على ما هي به بعد إيجادها فلا تغير في علمه عند تغيرها بالإيجاد فتتغير العلوم ولا يتغير العلم بجميع حالاته على ما هو به وبقوله {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: 76] يشير إلى أنه تعالى أودع في القرآن حقائق ومعاني كثيرة لا توجد في غيره كم الكتب المنزلة ما يحتاج إليه السالك في سلوكه للوصول إلى الحضرة، وبيان ما اختلفت فيه الأمم الماضية من كيفية السلوك وشرح المقامات وكشف المعارف، وذلك لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقامات ذلك النبي وبيان كما مرتبته ونهاية قربه، فلما لم يكن لنبي من الأنبياء عليهم السلام مقام في القرب مثل مقام نبينا صلى الله عليه وسلم ما أودع الله تعالى في كتبهم ما أودع في كتابه من الحقائق والمعاني.
كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ} [النمل: 77] يعني القرآن {لَهُدًى} إلى الله ما لا يهدي إليه كتاب آخر {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ} أي: هذه الهداية رحمة خاصة لهذه الأمة أعني المؤمنين منها {إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم} [النمل: 78] أي: بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي {بِحُكْمِهِ} أي: بحكمة بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم تبعا لهم ويبلغ متابع نبينا بتبعية إلى مقام مخصوص به من الأنبياء وهو مقام الحبيبية يدل عليه قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، {وَهُوَ الْعَزِيزُ} الذي لعزته لا يهدي كل متمنٍ إلى مقام حبيبيته {الْعَلِيمُ} الذي هو العالم بمستحق هذا المقام.