فلما أخبر الله تعالى عن مقامات المؤمنين والكافرين وشرح أحوالهم أخبر عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم وحاله بقوله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6] يعني: لا من لدن جبريل به يشير إلى أنك جاوزت حد كمال كل رسول فإنهم كانوا يتلقون الكتب بأيديهم من يد جبريل والرسالات من لفظه وحياً، وإنك وإن كنت تلقي القرآن بتنزيل جبريل على قلبك تلقى حقائق القرآن من لدن حكيم لقلبك بحكمه بها القرآن وهي صفة القائمة بذاته، فعلمك حقائق القرآن وبيانه وهو العلم اللدني عليم حكيم جعله بحكمته مستعداً لقبول الفيض القرآن بلا واسطة عليم هو أعلم حيث يجعل رسالته.
ثم أخبر عن هدى موسى عليه السلام بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ} [النمل: 7] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً} [النمل: 7] يشير إلى موسى القلب أنه لما كوشف بأنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة، قال لأهله أي: النفس وصفاتها {إِنِّي آنَسْتُ نَاراً} بوادي أيمن السر، كما قال بعضهم: يبدو لي من الصغار برق يخبرني بها قرب المزار {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} عن كيفية الطريق {أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} من نار الإلهية {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7] بتلك النار فتخلصون من جمود الطبيعة وظلمة الهوى.
{فَلَمَّا جَآءَهَا} [النمل: 8] على قدمي الشوق وصدق الطلب {نُودِيَ} من الشجرة الروحانية {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} نار المحبة أو في طلب نار الموقدة التي تطلع على الأفئدة {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: ومن يدور حول هذه النار كالفراش فإنه يقع فيها {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .