فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية. ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم."وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل"وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك. والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي. فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه صلى الله عليه وسلم"إن من الشعر لحكماً"وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه. وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] وقال صلى الله عليه وسلم
"المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم"ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال {وسيعلم الذين ظلموا} خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله. وقوله {أيّ منقلب} صفة لمصدر محذوف والعامل {ينقلبون} أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه {يعلم} لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 5 صـ 284 - 290}