قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه وإن من المزاح مَا يكون سببا لتهييج المراء والواجب على العاقل اجتنابه لأن المراء مذموم في الأحوال كلها ولا يخلو المماري من أن يفوته أحد رجلين في المراء إما رجل هو أعلم منه فكيف يجادل من هو دونه في العلم أو يكون ذلك أعلم منه فكيف يماري من هو أعلم منه
ولقد سمعت حفص بن عمر البزار يقول سمعت إِسْحَاق بْن الضيف يقول سمعت جعفر بْن عون يقول سمعت مسعر بْن كدام يقول لابنه كدام:
إني نخلتك ياكدام نصيحتي ... فاسمع مقال أب عليك شفيق
أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق
إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمحاور جارا ولا لشفيق
والجهل يزري بالفتى في قومه ... وعروقه في الناس أي عروق
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه المراء أخو الشنآن كما أن المناقشة أخت العداوة والمرء قليل نفعه كثير شره ومنه يكون السباب ومن السباب يكون القتال ومن القتال يكون هراقة الدم وما مارى أحد أحدا إلا وقد غير المراء قلبيهما وقد أحسن الذي يقول:
وإياك من حلو المزاح ومره ... ومن أن يراك الناس فيه مماريا
وإن مراء المرء يخلق وجهه ... وإن مزاح المرء يبدي التشانيا
دعاه مزاح أو مراء إلى التي ... بها صار مقلي الإخاء وقاليا
أخبرني مُحَمَّد بْن المنذر حدثني كثير بْن عَبْد اللَّه التميمي حدثني إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد الطلحي حَدَّثَنَا أَبُو الأخفش الكناني أنه قَالَ لابن له ... أبني لا تك ماحييت مماريا ... ودع السفاهة إنها لا تنفع
لا تحملن ضغينة لقرابة ... إن الضغينة للقرابة تقطع
لا تحسبن الحلم منك مذلة ... إن الحليم هو الأعز الأمنع
أخبرنا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الخالدي الهروي حَدَّثَنَا العباس بْن الوليد بْن مزيد قَالَ سمعت أَبِي عَن الأوزاعي قَالَ قَالَ بلال بْن سعد إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه المزاح إذا كان فيه إثم فهو يسود الوجه
ويدمي القلب ويورث البغضاء ويحيي الضغينه وإذا كان من غير معصية يسلى الهم ويرقع الخلة ويحيي النفوس ويذهب الحشمة فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح مَا ينسب بفعله إلى الحلاوة ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد.