وقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) : مرور الكرام، أي: إن قدروا على تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) .
وفي قوله: (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) دلالة نقض قول الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) دل أنها محرمة بعد غير كافرة.
(إِلَّا بِالْحَقِّ) : إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، وأما بحق الارتداد؛ على ما ذكر في الخبر:"لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق"ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر لكانت غير محرمة؛
فدل أنه ما ذكرنا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، (وَلَمْ يَقْتُرُوا) أي: لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم.
قال: والقوام: الوسط. ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد.
قال أبو معاذ: في قوله: (وَلَمْ يَقْتُرُوا) لغات أربع: (ولم يُقْتِروا) : برفع الياء وبخفض التاء غير مثقل، و (يَقْتِروا) بنصب الياء، وخفض التاء، و (يَقْتُرُوا) برفع التاء، والمعنى كله واحد. وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا(73) قَالَ بَعْضُهُمْ: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - واللَّه أعلم - قوم عقلوا عن اللَّه، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب اللَّه.