قلت: هذا يفضي إلى التحكم فِي تعلق قوله: {لكم} تحكماً لا يدل عليه دليل للسامع بل الوجه أن يجعل {لكم} متعلقاً بفعل {جعل} ويكفي فِي الامتنان بخلق السماء إشعار السامعين لهذه الآية بأن فِي خلق السماء على تلك الصفة ما فِي إقامة البناء من الفوائد على الإجمال ليفرضه السامعون على مقدار قرائحهم وأفهامهم ثم يأتي تأويله فِي قابل الأجيال.
وحذف (لكم) عند ذكر السماء إيجازاً لأن ذكره فِي قوله: {الذي جعل لكم الأرض} دليل عليه.
و (جعل) إن كانت بمعنى أوجد فحمل الامتنان هو إن كانتا على هذه الحالة وإن كانت بمعنى صير فهي دالة على أن الأرض والسماء قد انتقلتا من حال إلى حال حتى صارتا كما هما وصار أظهر فِي معنى الانتقال من صفة إلى صفة وقواعد علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) تؤذن بهذا الوجه الثاني فيكون فِي الآية منتان وعبرتان فِي جعلهما على ما رأينا وفي الأطوار التي انتقلتا فيهما بقدرة الله تعالى وإذنه فيكون كقوله تعالى: {أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما إلى قوله: وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون} [الأنبياء: 30 32]
وقد امتن الله وضرب العبرة بأقرب الأشياء وأظهرها لسائر الناس حاضرهم وباديهم وبأول الأشياء فِي شروط هذه الحياة، وفيهما أنفع الأشياء وهما الهواء والماء النابع من الأرض وفيهما كانت أول منافع البشر.
وفي تخصيص الأرض والسماء بالذكر نكتة أخرى وهي التمهيد لما سيأتي من قوله: {وأنزل من السماء ماء} الخ.
وابتدأ بالأرض لأنها أول ما يخطر ببال المعتبر ثم بالسماء لأنه بعد أن ينظر لما بين يديه ينظر إلى ما يحيط به. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 325 - 327}