وإلا فأيُّ قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره، ويسكن إلى ما سواه، هذا ما لا يكون أبداً.
ومن ذاق شيئاً من ذلك، وعرف طريقاً موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وهواه، وشهواته ولذاته، وقع في آثار المعاطب، وجلب لنفسه الهموم والأحزان، واستبدل بأنسه وحشة، وبعزه ذلاً، وذلك لأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها ناكباً عنها، مكباً على وجهه.
فأبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر، ودعي فما أجاب، وفُتح له فولّي ظهره الباب.
قد ترك طريق مولاه، وأقبل بكليته على هواه، فانحط إلى أسفل سافلين، وصار في عداد الهالكين، وصارت روحه في وحشة من جسمه، وقلبه في ملال من حياته، فيكون معذباً في الدنيا بتنغيص شهواته، وشدة اهتمامه بطلب ما لم يُقسَم له، وإن قسم له شيء فحشوه الخوف والحزن، والنكد والألم.
فهو في هم لا ينقطع، وحسرة لا تنقضي، وحرص لا ينفد، وذل لا ينتهي .. هذا في هذه الدار.
وأما في البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك، قد حيل بينه وبين ما يشتهي، وفاته ما كان يتمناه، من قرب ربه، وكرامته، ونيل ثوابه، وأحضر جميع غمومه وأحزانه.
وأما في دار الجزاء فسُجن مع أمثاله من المبعدين المطرودين، ونار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى.
فمن أعرض عن الله بالكلية أعرض الله عنه بالكلية، ومن أعرض الله عنه لزمه الشقاء والبؤس.
فإن الرب سبحانه إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس، وأظلمت أرجاؤها، وصارت مأوىً للشياطين، وهدفاً للشرور، ومصباً للبلاء، فالمحروم كل
المحروم من عرف طريقاً إلى ربه ثم أعرض عنها، وانصرف بجملته إلى تحصيل الأغراض والشهوات، عاكفاً على ذلك ليله ونهاره.
وطوبى لمن أقبل على الله بكليته، وعكف عليه بإرادته ومحبته، فإن الله يقبل عليه بتوليه ومحبته، وعطفه ورحمته.
وإن الله عزَّ وجلَّ إذا أقبل على عبد استنارت جهاته، وأشرقت ساحاته، وتنورت ظلماته، وظهرت عليه آثار إقباله، من بهجة الجلال، وآثار الجمال، وتوجه إليه أهل الملأ الأعلى بالمحبة والموالاة؛ لأنهم تبع لمولاهم، فإذا أحب سبحانه عبداً أحبوه، وإذا والى ولياً والوه.
فيحبه الله ... وأهل السماء ... وأهل الأرض.