فمن رحمة الباري سبحانه أنه لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق، ليسلك كل امرئ إلى ربه طريقاً يقتضيها استعداده وقوته قبوله: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) } [الحج: 78] .
ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد، مع وحدة المعبود ودينه.
فالأنبياء أولاد علات، دينهم واحد، وأمهاتهم شتى، فدين الأنبياء واحد، وشرائعهم متعددة.
والناس قسمان:
علية ... وسفلة.
فالعلية من عرف الله سبحانه، وعرف الطريق إليه، وسلكها قاصداً الوصول إليه، وهذا هو الكريم على ربه الذي قال عنه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } [الحجرات: 13] .
والسفلة من لم يعرف الله، ولم يعرف الطريق إليه، ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال الله فيه: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18] .
والناس متفاوتون في الأفكار والعقول، والقوة والأعمال:
فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يحب سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم، قد وفر عليه زمانه مبتغياً به وجه الله، فلا يزال كذلك عاكفاً عليه، حتى يصل من تلك الطريق إلى الله، ويفتح له فيها الفتح الخاص طلباً ودراسة، وتعليماً وكتابة كما قال سبحانه: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) } [آل عمران: 79] .
ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر، وقد جعله زاداً لمعاده، ورأس ماله لمآله، فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر، ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه صلاة النوافل، فمتى قصر في ورده منها، أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها، أو مستعد لها، أظلم عليه وقته، وضاق صدره.