إليه، والأنس به، والوحشة من غيره.
وكما أن القلب إذا أبغض شيئاً وكرهه جدَّ في الهرب منه، وإذا أحبَّ شيئاً جدَّ في المسارعة إليه وطلبه.
ويوصف الله عزَّ وجلَّ بالمحبة ولا يوصف بالشوق؛ لأنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة، وكل من عرف ربه أحبه، ومن أحبه اشتاق إليه وإلى لقائه.
ولا محبوب في الحقيقة إلا الله سبحانه، ولا مستحق للمحبة التامة سواه.
فالإنسان يحب نفسه وبقاءه وكماله، ويكره ضد ذلك، وهذه جبلة كل حي، وهذا يقتضي غاية المحبة لله عزَّ وجلَّ.
فإن الإنسان إذا عرف ربه عرف قطعاً أن وجوده ودوامه وكماله من الله، فهو عدم محض لولا فضل الله عليه بإيجاده، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل.
فمن عرف ربه أحبه، وكيف يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه؟
5 -فقه الهمة
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) } [الحجرات: 15] .
وقال الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } [الأحزاب: 23] .
الهمة: ما يبعث العبد للمقصود صرفاً.
فهمة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلباً صادقاً فتلك هي الهمة العالية التي لا يتمالك صاحبها صبره، لغلبة سلطانه عليه، ولا يلتفت عنها إلى ما سواها.
وهمة المؤمن على ثلاث درجات:
الأولى: همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني، وتحمله على الرغبة في الباقي، وتصفيه من كدر التواني.
فالفاني الدنيا وما فيها، وهي توحش قلوب الراغبين فيها، وقلوب الزاهدين فيها.
أما الراغبون فيها فقلوبهم وأرواحهم في وحشة من أجسامهم إذا فاتها ما خلقت له من عبادة الله والفوز بالجنة.
أما الزاهدون فيها فإنهم يرونها موحشة لهم؛ لأنها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم وهو الله سبحانه.