ولم يقع هذا المراد؛ لأنه لم يرد من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له، وفعل الله سبحانه وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعله فعله، وما فعله فقد أراده، فهو الفعال لما يشاء، بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل وقد يفعل ما لا يريد، فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده كما وصف نفسه بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) } [هود 107] .
وما أعظم شأن الإرادة في الإنسان، فهي مناط العهد مع الله، وهي مناط التكليف والجزاء.
إنه يملك الارتفاع على مقام الملائكة بحفظ عهده مع ربه عن طريق تحكيم إرادته في طاعة ربه، وعدم الخضوع لشهواته.
ويملك كذلك أن يهبط عن أقل من رتبة البهائم فيشقي نفسه، ويهبط من عليائه، بتغليب الشهوة على الإرادة، والغواية على الهداية، ونسيان العهد الذي يرفعه إلى مولاه.
والناس في الإرادة أربعة أقسام:
الأول: من لا يريد ربه، ولا يريد ثوابه، وهؤلاء أعداء الله حقاً، وهم أهل العذاب الدائم.
وعدم إرادتهم لثوابه، إما لعدم تصديقهم به، وإما لإيثارهم العاجل عليه ولو كان
فيه سخطه.
الثاني: من يريده ويريد ثوابه، وهؤلاء خواص خلقه كما قال سبحانه عن أمهات المؤمنين: {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) } [الأحزاب: 29] .
الثالث: من يريد من الله، ولا يريد الله.
فهذا جاهل بربه، ناقص غاية النقص، ليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنة المخلوق، لا يخطر بباله سواه البتة.
وأعلى الإرادة عنده إرادة الأكل والشرب والنكاح ونحوها من شهوات الجنة.
وهؤلاء قريبون من مرتبة الحيوان البهيم، وهم في حجاب كثيف عن معرفة نفوسهم وكمالها، ومعرفة معبودهم وسر عبوديته.
الرابع: من يريد الله، ولا يريد منه، وهو أن يكون الله مراده، ولا يريد منه شيئاً.
فهذا قد زهد في مراد لمراد هو أجل منه وأعلى، فلم يخرج عن الإرادة، وإنما انتقل من إرادة إلى إرادة.
لكن هذه حال عارضة غير دائمة، ولا هي غاية مطلوبة، ولا هي مقدورة للناس، ولا هي مأمور بها، ولا هي أعلى المقامات فيؤمر بها.
3 -فقه الرغبة